فبعد ساعات من خطاب الحوثي، غادرت البعثة الدبلوماسية الأمريكية صنعاء، وأغلقت فرنسا، وبريطانيا، سفارتيهما، فيما قررت سفيرة الاتحاد الأوروبي بصنعاء بتينا موشايت، أمس الأربعاء، مغادرة اليمن خلال 48 ساعة لأسباب أمنية.
وكانت سفارة الاتحاد الأوروبي بصنعاء، أغلقت أبوابها في مايو/أيار الماضي نتيجة للوضع المضطرب الذي يمر به اليمن.
وقالت مصادر مطلعة إن ألمانيا، هي الأخرى، على وشك اتخاذ قرار بإغلاق سفارتها في اليمن؛ نتيجة الأوضاع الأمنية بالغة التعقيد التي تمر بها البلاد، دون ذكر تفاصيل إضافية.
هذا “الهروب الجماعي”، إن صح التعبير، يترك الباب مشرعاً على كافة الاحتمالات، أخفها “نزع الشرعية” عن سلطة الأمر الواقع التي فرضها الحوثي وقوّض من خلالها شرعية الدولة، وأسوأها، انزلاق البلاد إلى حرب أهلية في ظل اتساع دائرة “الرفض الشعبي” لمشروع الحوثيين، حسب مراقبين.
وما يعقد الوضع أكثر، أنه بعد مغادرة بعثات أجنبية صنعاء، سيطر مسلحو تنظيم “أنصار الشريعة”، التابع للقاعدة في اليمن، اليوم الخميس، على معسكر للجيش في شبوة جنوبي البلاد، ما يُنذر بسقوط معسكرات أخرى في الجنوب في يد تنظيم القاعدة، أو حتى مسلحي القبائل والحراك الجنوبي، وهو في الشق الآخر منه، اعطاء ذريعة لتمدد جماعة الحوثي نحو تلك المناطق، تحت مبرر “محاربة الإرهاب”، وفق ما يراه المراقبون.
وفي هذا الصدد، يرى ياسين التميمي، المحلل السياسي والكاتب في عدة صحف يمنية وعربية، أن “إغلاق سفارات الدول الغربية، وهي دول راعية رئيسية لعملية التسوية في اليمن، يعني بوضوح أن العملية السياسية انتهت، وأن اليمن بات مفتوحا على كل احتمالات العنف والاحتراب، ويتضح ذلك في أسلوب انسحاب البعثة الأمريكية التي لم تترك شيئا سوى المبنى”.
وأضاف التميمي “أن هذا الانسحاب له مدلول مباشر في كونه يُدين ويرفض الأمر الواقع الذي فرضته الجماعة الحوثية الطائفية المسلحة في البلاد، وقد يأذن بإطلاق مرحلة جديدة من العنف، تؤدي إلى تعزيز الأمر الواقع، أو إلى إحراق العصا الحوثية التي استخدمها الأمريكان والبريطانيون وبعض دول الإقليم (في أوقات سابقة) ضد أطراف سياسية في البلاد”.
ويعتقد التميمي أن “تجدد الفعل الثوري هو الرهان الرابح أمام اليمنيين في هذه المرحلة، بكل ما يعكسه هذا الفعل الثوري من رغبة شعبية شاملة وعارمة في إجهاض الانقلاب الطائفي، وتحييد القوى المليشياوية، واستعادة الدولة والوطن واستئناف العملية السياسية، وصولاً إلى مرحلة الدولة المدنية الاتحادية الحديثة والديمقراطية”.
وكانت اللجنة الثورية، التي يرأسها محمد الحوثي، أعلنت في القصر الجمهوري بصنعاء يوم الجمعة الماضي ما أسمته “إعلانا دستورياً”، يقضي بتشكيل مجلس وطني مكون من 551 عضوا، يتم عن طريقه انتخاب مجلس رئاسي مكون من خمسة أشخاص يكلفون شخصا بتشكيل حكومة انتقالية.
وقوبل إعلان جماعة الحوثي بالرفض من معظم الأطراف السياسية في اليمن، الذي يعيش فراغاً دستورياً منذ استقالة الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي وحكومته في 22 يناير/كانون الثاني الماضي، على خلفية مواجهات عنيفة بين الحرس الرئاسي ومسلحي جماعة الحوثي، أفضت إلى سيطرة الحوثيين على دار الرئاسة اليمنية، ومحاصرة منزل الرئيس اليمني وعدد من وزراء حكومته.
ومنذ 21 سبتمبر/أيلول الماضي، يسيطر مسلحو الحوثي، يعتنقون المذهب الزيدي، بقوة السلاح على المؤسسات الرئيسية في العاصمة صنعاء، وبسطت سيطرتها على محافظات شمالية وغربية ذات أغلبية سنية.
ويتهم مسؤولون يمنيون وعواصم عربية وغربية، إيران بدعم الحوثيين بالمال والسلاح، ضمن صراع على النفوذ في عدة دول بالمنطقة بين إيران والسعودية جارة اليمن، وهو ما تنفيه طهران.
وأضاف “عدت لتوي من زيارة المملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة، وكان اليمن هو موضوعي الرئيسي مع زعيمي البلدين”.
وتابع الأمين العام قائلا في جلسة المشاورات التي عقدها مجلس الأمن اليوم حول اليمن، إن قادة السعودية والإمارات طالبوا بضرورة أن يتخذ المجلس رسالة قوية وواضحة إلى جميع أطراف الأزمة اليمنية، مفادها أن أية أعمال أخرى لتقويض العملية الانتقالية في اليمن “لن يتم السماح بها”.
وتجري مختلف الأطراف اليمنية نقاشات برعاية المبعوث الأممي في اليمن جمال بنعمر، من أجل الخروج من الأزمة التي أعقبت استقالة الرئيس عبد ربه منصور هادي وحكومة الكفاءات برئاسة خالد بحاح، وما تلاها من طرح الحوثيين ما أسموه “الإعلان الدستوري”، وحلوا بموجبه البرلمان اليمني.
وأضاف الأمين العام للأمم المتحدة خلال الجلسة التي تم تخصيصها للأوضاع في اليمن “دعوني أكون واضحا: اليمن ينهار أمام أعيننا. ونحن لا يمكن أن تقف موقف المتفرج، فاليمن يواجه تحديات متعددة. ولابد من منح حرية الحركة للرئيس عبد ربه منصور هادي، ورئيس الوزراء خالد بحاح، ووزراء الحكومة والمسؤولين”.
وتابع “إنني ينتابني القلق من أنا الاستخدام المفرط للقوة لتفريق المتظاهرين السلميين، واستخدام الاعتقال التعسفي واحتجاز نشطاء المجتمع المدني والصحفيين، وأدعو لى حماية حقوق الإنسان، ولا سيما الحق في التجمع السلمي وحرية التعبير”.
وحذر كي مون في إفادته إلي أعضاء المجلس من أن “هناك المزيد من الهجمات واسعة النطاق والمميتة من قبل تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية، مع تزايد الأعمال العدائية بين القاعدة في جزيرة العرب والحوثيين في مختلف المحافظات جنوب صنعاء، مثل ذمار والبيضاء”.
واستطرد “كما أن هناك زيادة نحو نزعات انفصالية في الجنوب، وأزمة إنسانية حادة، وإنه لأمر مذهل أن تجد م61% من السكان (ما يقرب من 16 مليون شخص) بحاجة الآن إلى مساعدة إنسانية في اليمن”.
واعتبر الأمين العام للمنظمة الدولية أن هذه التطورات “تهدد السلام والأمن الإقليميين والدوليين، ونحن لدينا التزاماتنا بموجب ميثاق الأمم المتحدة، وعلينا تقديم ما هو ممكن لمساعدة اليمن من أجل أن يتراجع عن حافة الهاوية”.
وشدد كي مون على ضرورة “التزام جميع الأطراف بالإطار المشترك على النحو المنصوص عليه في آلية تنفيذ مبادرة مجلس التعاون الخليجي، ونتائج مؤتمر الحوار الوطني واتفاق السلام والشراكة الوطنية”، معربا عن توقعاته بألا تقوم أطراف الأزمة بأي استفزازات أخرى وتنفيذ هذه الاتفاقيات كاملة، ودون مزيد من التأخير.
وتابع قائلا “ولهذه الغاية، يقوم مستشاري الخاص السيد جمال بنعمر، بتسهيل المفاوضات مع كل الاطراف بطريقة توافقية وسلمية ويتعين علي على جميع الأطراف اليمنية أن تشارك في هذه المفاوضات وأن تتعاون بحسن نية، كما أدعو أعضاء مجلس الأمن لتقديم دعم موحد ومستمر لجهود مستشاري الخاص”.




