خاص(الحدث الجنوبية) مودية : تقرير / علاء الحسني
بنيت هذه المنظرة كما تؤكد لنا أحدى النقوش في عام 1948م
وقد صممت بنظام بريطاني عصري معقد بعض الشيء ,
في البناية يتجلى الفن المعماري المستورد من شوارع لندن البريطانية ليطرد النمط المعماري العربي في هذه الزاوية من خاصرة جزيرة العرب وجنوبها العربي “
من هو الفقيد محمد سعيد هيثم الظهر
ولد في مدينة عدن حارة القطيع – حي التلال حاليا عام 1903م ودرس في مدارس عدن الابتدائية وأنهى دراسته الثانوية في مدرسة الإرسالية للقديس جوزيف ألمسماه حاليا بمدرسة البادري في عدن, أنجب الفقيد محمد سعيد الظهر 11. . من الأبناء .7. إناث و .4. ذكور ,
,
عمل الفقيد بعد تخرجه من هذه المدرسة موظفا في شركة شل للبترول التي كان وكيلها في عدن آنذاك التاجر الفرنسي انتونيان بس.
وفي عام 1932م أوفد للعمل في فرع الشركة في جيبوتي التي كانت مستعمرة فرنسية فيما كانت عدن مستعمرة بريطانية ,
عاد الفقيد إلى عدن ليواصل عملة في شركة “شل” فرع عدن كريتر لمخازن المحروقات في المعلا حتى نهاية الحرب العالمية الثانية ,
بعد ذالك قرر الفقيد أن يعود إلى أرض الأجداد في مديرية مودية بمحافظة أبين وتفرغ للزراعة وكان رافدا في مجال الزراعة ليقوم بعدها بإدخال الآلات الحديثة كمضخات رفع المياه من الآبار والحراثات الزراعية وكان من الأوائل الذين استخدموا هذه الآلات في مودية ,
شجع الفقيد الفقيد التعليم في مودية حيث قام بإنشاء فصل دراسي داخل منزلة “المنظرة” لتعليم البنات في خمسينيات القرن الماضي ليكون أول من أسس فصل لتعليم البنات في مودية والمنطقة الوسطى كافه ,
وبحكم سفرة للخارج وخبرته جلب الفقيد أنواع كثيرة من الزراعة لم يكن يعرفها الناس في تلك الحقبة مثال :زراعة القطن – والخضروات وبعض الفواكه كالحمضيات بخمسة أنواع- والبطيخ –والشمام وغيرها الكثير ,
وبالعودة لشأن “المنظرة”
وهي منزل الفقيد محمد سعيد هيثم الظهر وقد سميت “المنظرة”
لقد طلب الفقيد محمد سعيد الظهر تصميماً يكاد لا يكون إلا في مسلسلات الصعايده في مصر حين نشاهد (السرايا) وهو ذالك البناء الكبير والمركب الذي يسكنه كبير القوم أو القبيلة “
في الصعيد بمصر يسمون جزء من المنزل الكبير “مندره” ويكون مخصص لإستقبال الضيوف ولعل ذالك كان الهدف من بناءها وتسميتها منظرة ,
وقد أكتمل البناء في عام 1948م
فكان الفقيد صاحب ذوق رفيع وإحساس بما يحيطه وبدا جلياً كل ذالك في ترتيب منزلة وحياته الشخصية ,
وبجانب كونهُ تربوي وفلاحاً كان الفقيد عسكرياً وقائدٌ محنك بشهادة كل من عرفوه رغم نزعته المدنية الصارخة ,
بدا الفقيد تشييد بناء هذه المنظرة لتصبح وجه حضاريا وصورة مشرفة لمدينة مودية وعنوانا يشاهده كل من زار مودية ,
لم يكتفي الفقيد بالتصميم الخارجي وشكل اللوحة المعمارية الحديثة بل دعم أفكاره بتصميم داخلي مميز وغريب حيث تلاصقت جميع الغرف لتشكل صورة جميلة ورائعة لتقارب الحياة بين أفراد المنزل الواحد مع مراعاة خصوصية الجميع ,
تعمد الفقيد في وضع أفكار التصميم على القائمين في مرحلة البناء على تشييد صرح قوي ومتين يدوم لسنوات طوال دون أن يتضرر وقام بتشكيل النظام الداخلي بوضع ممرات سرية وخاصة ومخارج للطوارئ ومدافن للقمح والحبوب عبارة عن غرف بنيت تحت الأرض مقابل المنزل وكذالك إسطبل وبستان كبير يلف المنزل حيث لم تكن هنالك بنايات ومنازل في تلك الحقبة ,
ركز الفقيد الحاج محمد سعيد الظهر على أن تكون غرفته مكونة من ثلاث غرف متلاصقات ومنهن يتم الطلوع إلى السطح ويوجد سلالم أخرى لبلوغ السطح لتسهيل الطلوع والنزول لأفراد الأسرة “
في غرفة الفقيد بعد أعوام من رحيله إلى جوار ربه شاهدنا مقتنيات مكونة من كتب عربية كبيرة وشاملة ومجلات قديمة عربية وغربية وصور معلقات على جدار غرفته بجانب مكتب وخزنة تحتوي على الكتب وبعض من الملابس ,
لم أستطع تصديق أن هذه المنظرة في مدينتي ولم أكن أعرف شكلها من الداخل أبداً وأضن أن 90% من أبناء مودية من جيل التسعينات كذالك لا يعرفون كيف هي تلك المنظرة من الداخل وكيف هو شكلها ولذالك قمت بدخولها والتقاط صور لها من الداخل لإظهارها للناس وللعالم وتأكيدا منا على أن هذا الصرح التاريخي هو صورة من صور تاريخنا وحضارتنا ككل أبناء مودية بدون تحديد “
وفي سياق ذالك كان لدى معلمي وأستاذي القدير منصور سالم العلهي تعليق حول هذه (المنظرة) كان قد كتبه قبل فتره على موقع شبكة الحدث الجنوبية فما كان مني إلا إن استخدم كلمات العم منصور فهي ابلغ وأوضح وأسهل من كل حديث يقال ,
منصور سالم العلهي
تمعن أخي الكريم في هذا المبنى , وتحقق منه جيداً لعل الذاكرة تسعفك وتعود بك إلى سنوات خلت , وان كنت لا زلت شاباً في مقتبل العمر فما عليك إلا أن تسأل والديك أو احد أقاربك عن ذلك المبنى وستجد الجواب الشافي .
انها ( منظرة محمد سعيد الظهر ) رحمه الله , تقف شامخة لتحكي للأجيال القادمة (قصة مثالية ) لرجل عظيم , وإنسان رحيم ,عاش فصولها ونسج حكاياتها بيديه البيضاء لعقود من الزمن مع حشود من الجياع والمعدمين .
أصبحت اليوم خالية بعد أن انتقل منها ( أبو الفقراء والأيتام ) إلى رحمة لله , وغادرها بعده (الأبناء والأحفاد ) إلى حيث كتب الله لهم العيش بعيداً عن مسقط الرأس .
وهي التي كانت ( قبلة ) للفقراء والأيتام والأرامل والمعوزين , حيث لا تجد فيها موضع قدم من شدة الزحام _ زحامٌ لكل من أراد أن يسد جوعه أو يروي عطشه , أو أراد أن يقضي له الحاج ( محمد سعيد الظهر) رحمه الله , حاجة من حوائج الدنيا .
فكم تربى على يديه الحانيتين من الأيتام , وكم احتضن وآوى من الفقراء , وكم ضلل بحنانه وعطفه الأرامل والمحتاجين .
وكل من وضع قدميه في هذا المبنى العامر بالخير والعطاء أحس بالدفىْ والسعادة .
حتى الطيور ستشهد لهذا الرجل الفاضل عند خالقها حين كان ينثر لها الحبوب على سطح المبنى …
وباختصار شديد :
أن هذه ( المنظرة ) التي تقف اليوم كالطود العظيم هي (( قصة إنسانية )) بكل ما تعنيه الكلمة من معاني الإنسانية والعطف والكرم والإنفاق السخي .
وستبقى كذلك ( رغم خلوها ) إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها .
رحم الله الحاج / محمد سعيد هيثم الظهر رحمة الأبرار , وهنيئاً له قول الرسول صلى الله عليه وسلم : (أنا وكافل اليتيم كهاتين) ..
هنا تحدث الأستاذ منصور العلهي بحديث من القلب ويصل إلى القلب , حديث تملئه العواطف الرائعة والتي أوصلت لنا جميعاً كيف كان الفقيد وكيف كانت “منظرته”
لقد عاش الفقيد مخلداً ذكراه في تاريخ مودية الحاضر مودية المستقبل والتي ستتفاخر بهذه الهامة الإنسانية النادرة ,
هكذا هم العظام يذهبون لتنجب الذكريات مقطتفات حياتهم في كل مستقبل فلا يعود رحيلهم كافي فوجود أسمائهم كفيل بجعلهم قدوة ومرجعية لتصرفاتنا الإنسانية مع الجميع ,
في كلماتي لم ولن أفي الحاج محمد سعيد الظهر حقه الذي يستحق ولكني حاولت أن أوثق ولو الجزء القليل والزاوية الصغيرة من حياة هذا الرجل الأسطورة حد تعبير احد الرجال الذين عاشوا معه والتي لن استطيع توثيقها لكثافة المواقف والشواهد عن حياة رجل عظيم ,
زرت المنظرة في عام 2015م وشاهدت كل ذالك في خيالي الذي فتح أبوابه لأتعرف على حياة من كانوا فيها
فحين كنت أجول في المنظرة شاهدت الناس وزحامهم شاهدت النساء تطبخ والأطفال يلعبون , لقد سمعت صراخهم وتعالت ضحكاتهم وفي نهاية الطريق المودي إلى فصل تعليم البنات صادفت الفتيات وهن يخرجن من فصل التعليم وتعابير الفرحة بادية على وجوههن , كنت أمشي في المنظرة وكلي استغراب من كمية الطاقة الايجابية المنبعثة والتي أشعرتني كم أن الحياة تافهة ورخيصة أن لم نحب الناس ولم نساعدهم ولم نكن عوناً لبعضنا بعضا ,
وفي النهاية سيضل الفقيد محمد سعيد الظهر حاضرا في عقولنا ابد الدهر ولن تنساه حبات تراب الأرض التي كان فيها يعمل وستبقى رائحة الخير تفوح من “منظرته” كلما مررت بجانبها مستوحياً أطياف من الحكايات التي نشئت في أروقة المنزل الذي أسميته (منظرة الخير) ,

توفي الفقيد الشيخ محمد سعيد هيثم الظهر عام 1996م عن عمر ناهز ثلاثة وتسعون عام كانت حافلة بالعطاء والمحبة والرحمة والعطف عاشوها من كانوا بالقرب منه ,
إلى الأستاذة نعمة محمد سعيد هيثم الظهر وأبناء وبنات الفقيد كافة .
















تعليق واحد
علاء
رحم الله الحاج محمد سعيد الله مثواه الجنه .
كفيتم ووفيتم وما قصرتم في لفتتكم هذه , تحياتي لكم ولجميع من ساهم في هذه المقاله .